حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
57
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
ومن عرف النبيّ الأمّيّ عرف سائر الأنبياء ، ومن عرف سائر الأنبياء عرف اللّه عزّ وجلّ ينبوع الوجود ومفيض الخير والحياة . فالحاصل أنّ من عرف نفسه حقّ معرفتها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء الحمد للّه . ولا يجهل شيئا في الدنيا ولا في الآخرة ، سوى الأمور التي تتعلّق بظاهر الدنيا فلا يعرف أكثرها ويجهل أغلبها كما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم في حديث تأبير النخل ، أنّه قال : ما أرى ترككم تأبيره مضرّة تحصل له ، فتركوا تأبير النخل ففسدت ثماره ، فقالوا له ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أنتم أعلم بأمر دنياكم ، وأنا أعلم بأمر ديني » 40 . فكانوا أعلم بهذه ، ولم يقدح ذلك في كون رسول اللّه صلى الله عليه وسلّم أعظم قدرا من كلّ البشر . فكذلك حكم من عرف اللّه إمّا بعد معرفة نفسه بالصورة أو بالنقيض ، أو قيل قبل معرفة كلّ شيء فإنّه لا يلزم أن يكون له التقدّم في كلّ شيء وفي كلّ مرتبة ، فإنّ نظر المقدّم إلى التقدّم في رتبة المعرفة باللّه عزّ وجلّ هناك مقصدهم ومطلبهم . وأمّا حوادث الأكوان فلا تعلّق لخواطرهم بها ، وكذلك في ترجيح اللّه رأي الفاروق على رأي الصدّيق في قصّة أسارى بدر ، وهي مشهورة 41 ، مع أنّ الصدّيق أفضل منه ، ولم يقدح ذلك في كونه ترجّح عليه الفاروق ، فمهما اطّلع الانسان على هذه الموازنة التي بين الانسان وبين الحقّ والعالم انكشف له سرّ قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » 42 ، وبين قوله « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » 43 . وسرّ قوله : « كنت سمعه وبصره . . . » 44 الحديث . ولمّا كان باطن الانسان على صورة حقائق الأسماء الآلهيّة من الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام قال اللّه تعالى : « كنت سمعه وبصره . . . » الحديث . ولو كان ظاهر جسم الانسان على صورة الحقّ لقال : كنت عينه وأذنه ، ففرّق بين الصورتين ، فصورته الظاهرة من حقايق العالم وصوره ، وصورته الباطنة على صورته تعالى ، وسيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى . والمراد بهذه [ الصورة ] الصورة المعنوية ، وهي إشارة إلى المضاهاة التي ذكرناها . فعلى ما ذكر ليس غيرك يا عين الوجود فافهم تك من أهل الشهود ، ويرجع الجميع إلى الذات والصفات